التدريب بلا تدريب: مهارة التوجيه الحقيقية

كتبت هذه المقالة في عام 2014 عندما كنت أتلقى التدريب على التوجيه. وكنت قرأت حينها كتاب لعبة التنس الداخلية للكاتب جالوي

 Timothy Gallwey : ” The Inner Game of Tennis”

   هذا الكتاب صنع في عقلي التدريبي تبدّل في التصور الذّهني من: سأحلّل لك المهارة واطلب منك اتّباع خطوات لتطبيقها،  إلى تصوّر جديد وهو: دعني اريك كيف   اعملها وكلّ ماعليك فعله، ان تراقبني مبتسما

ولأن الكتاب كان جزءا مهما من تعلم مهارة الكوتشنج فقد تم عرضه في دورة التوجيه التدريبية للكوتشز،  وعرض هذا الفيديو والذي يشرح فيه “جالوي” عملية تدريب لسيدة فوق السبعين في ٢٠ دقيقة لكي تتقن مهارة لعب التنس الارضي!
لن ادخل في تفاصيل الفيديو وساذكر لكم فقط انه طوال العشرون دقيقة لم ينطق امامها باي تعليمات سوى: راقبيني، استرخي، راقبي الكرة، استرخي، فقط استمتعي… وهكذا

وطبعا تبنيت الفكرة وطبقتها على نفسي اولا ومباشرة بعد مشاهدة الفيديو في الايام الاربعة للدورة فكان الجميع يكتبون خلف المدرب كل كلمة ( وكنت في السابق افعل ذلك) ولكني في هذه المرة قمت فقط بارجاع ظهري في المقعد، واخذ نفس عميق ومراقبة ما يفعله المدرب  امامي ( وهو عبارة عن جلسة كوتشنج حقيقية مدتها ٢٠ دقيقة). وكنت اثناء المراقبة اسرح في وجه المدرب وحركاته وكلماته واختفى في ذهني اي صوت توجيهي او محاولة حفظ او مراجعة او صوت يقول ( ها…. هذه الكلمة احفظيها جيدة ستساعدك!) اختفت كل هذه الاصوات وعلت وجهي ابتسامة هادئة وانا استمع باهتمام للحوار واتفاعل مع كل كلمة يقولها المدرب متأملة بدون افكار مسبقة او حاضرة او مستقبلية. ولما جاء دور التطبيق وكان التمرين ثلاثي كالعادة بحيث يقوم شخص بالكوتشنج واخر هو العميل المطبق عليه مهارة الكوتشنج، والثالث مراقب ومدون للملاحظات، جلست على كرسي الكوتشنج بهدوء واخذت نفس عميق وكلي ثقة ( حسب تعليمات جولوي) بان ما شاهدته سيتم تطبيقة بتلقائية واريحية وبدون تفكير مني، فقط على ان اثق في مقدرات عقلي اللاواعي

:وبدأت الجلسة بهدوء وطرحت اول ثلاث اسئلة اذكرها جيدا لانها اسئلة التعاقد
١. ما هو موضوعنا اليوم؟
٢. ما هو الهدف الذي تود الوصول اليه في نهاية الجلسة؟
٣. كيف ترى دوري ككوتشج معك في هذه الجلسة؟
وبعدها انساب الحوار بشكل طبيعي ولدهشتي ولاول مرة كنت اصمت صمتات كاني فيها مدربي واسأل أسئلة ادهشت المراقب وكانت جلسة ابداعية، وذات وقع على العميل. وانتهت الجلسة بابتسامة وحلول مستقبلية رائعة. وطبعا بعد الجلسة احكي ما شعرت وما قمت  فكان ردي على ادائي القوي هو اني تقمصت شخصية مدربي القوية ككوتشج صاحب خبرة ٢٥ سنة . واني فعلا كنت مسترخية ولم افكر( ماذا ارد على… ؟ او ما هوالسؤال التالي؟ او ماذا يقول الدليل الإرشادي للكوتشنج، في  هذه الحالة؟) ولم اسمع في ذهني اي صوت توجيهي او نقدي او تأديبي

هذا تطبيقي في الكوتشنج

:والان تطبيقي في المنزل

كنت اشتريت لابنتي دراجة جديدة كبيرة بعجلتين. وكان قد مر عام كامل على محاولة تعليمها الدراجة بعجلتين انتهت بالبكاء والصراخ وقررت ان اترك الموضوع سنة كاملة. وقد كنت العام الماضي حلّلت المهارات التي يتطلبها ركوب الدراجة باعتباري مدرّبة أقوم عادة بتحليل كل مهارة إلى أدقّ تفاصيلها، ووضعت لابنتي ٦ خطوات على شكل تعليمات وحركا محددة

١. ضعي البدالة اليسار في مكانها استعداد للانطلاق بالدوس عليها
٢. انطلقي
٣. انظري للامام
٤.استمري في التبديل بسرعة
٥. ضعي الفرامل
٦. توقفي

وحفظنا تلك الخطوات وكنت اجري معها على قدمي وانا اردد الخطوات بصوت عالي وبلا فائدة. في كل مرة كانت تسقط وتبكي.. . طبعا صغرت الدراجة

!حسب تعليمات جولوي، ما فعلته كان عقيما وفاشلا كمدرب دراجات
:الاستراتيجية الجديدة هي
.انا: حبيبتي اشتريت لك دراجة جديدة وجميله واريد ان تتعلمي الركوب حتى نذهب في رحلات في الارياف مع بعض
ابنتي: طيب

انا:  اليوم مشمس، سنخرج للشارع واريدك ان تراقبيني فقط… اجلسي مرتاحة وراقبيني وانا اركب… طيب؟
.”ابنتي: “طيب ماما

.اركب أمام إبنتي وهي تراقبني عدد من المرات

.”انا: ” جاء دورك حبيبتي افعلي ما فعلت ماما

المفاجأة كانت أنّ ابنتي وضعت البدّالة اليسار في مكانها الصحيح، وضغطت بثقل جسمها، وانطلقت متر ونصف ثم اختل توازنها ووقعت

.قلت في نفسي متر ونصف معناه ان عقلها بدأ يتجاوب… ويتعلم المهارة

انا: “رائع انطلقت متر ونصف، لنرى ان كان يمكن ان تنطلقي اكثر، راقبيني”. واضع رجلي وانطلق لدقيقة أمامها من جديد.
المفاجأه هي أنها انطلقت هذه المرة ٣ امتار قبل ان اختل توازنها، وبعد عدد من المحاولات قررت ان نتوقف عند نقطة نجاح لنحافظ   لى المعنويات مرتفعة

اليوم الثاني: “حبيبتي سنخرج للشاطئ اليوم وسنأخذ الدراجات مشيا فإذا وصلنا ركبنا في الممشى” . وكان هدفي ان تركب الدرّجة في  خط مستقيم وبتوازن أطول مما فعلنا اليوم السابق

.ابنتي: “حاضر ماما” وبحماس

.ولمّا وصلنا: “راقبيني حبيبتي” ثم انطلقت أمامها مسافة طويلة ورجعت وهي تراقبني

انا:  الان جاء دورك
تنطلق ابنتي بنفسها وبدون تعليمات وتقطع مسافة ١٠ متر (ماشا الله) وكانت مفاجأة جميلة جدا لي. واستمرت في المحاولات بدون تدخل مني ما عدا اني في احدى المرات قلت لها: لاحظي كيف انظر امامي لفوق ولا انظر لتحت لاستمر في التوازن. فقلدتني ووصل   بها الحال الى ٣٠ متر خط مستقيم. ونجحنا
اخيرا قلت لها “انظري كيف الف”، ولفيت يسارا ولم أكن أتوقع، في انها ستنجح. وللمفاجأة، أخذت ابنتي اللّفة بنجاح قبل أن يختل توازن وتسقط.  في اليوم الثالث ركبت ابنتي الدراجة خمسون مترا ولفّت بنجاح وتعلمت التوقف بالفرامل وبدون توجيهات مني أو تعليمات. استمرت في التدريب بنفسها وهي تركب الآن دراجة بحجم نسائي متفوقة على زميلاتها الأخريات

تعلمت ان العقل يتعلم بالتقليد وبالمحاولة حتى تصبح المهارة طبيعية وان التدخل في العملية التعليمية لابد ان يكون باقل درجة من المدرب وان الانسان يتعلم من اخطاءه

 

Leave a Reply