الرؤية في القيادة

الرؤية في القيادة

لكل قائد عادات تفكير يستقيها من خبراته وتجاربه في الحياة. ويعيش الكثير من القادة أحلام قيادتهم مبنية على تطلعات عشرات من السنين التي عملوا فيها بجد وإجتهاد للوصول لما وصلوا إليه من قيادة. القيادة في جملتها تتطلب وجود أتباع وهدف يسيرون نحوه تحت توجيه القائد. وتنصبّ الدراسات القيادية حول ميزات القائد التي تؤهله لهذه المهمة العظيمة وهي “السّير بمجموعة من الناس نحو غاية ما”[1]. وهناك عدد من الأسئلة التي تنشأ من هذا التعريف

ماهي الغاية؟ ومن يحددها؟ وكيف يتفق الجميع عليها؟ –

من هم هؤلاء الناس؟ وكيف تكونت المجموعة؟ ماذا يجمعهم؟ وكيف اتفقوا على تنصيب القائد؟ –

ما الذي جعل القائد أحق بالإتباع؟ ماذا يميّزه؟ لماذا يتبعونه؟ وماهي أدواته التي سيسير بالناس بها؟ –

  ما هي إستراتيجيته وما الذي سيصنعه مختلفا؟ –

في المجموعة الأخيرة من الأسئلة تقع أبحاث القيادة وتنظيراتها. ولكن المجموعة الأولى مهمّة فهي تحدد مستوى القيادة الذي نحن بصدده. فرحلة في البر للمتعة والصيد المرفّه ليست كتنظيم يعمل فيه عدد كبير من الناس وتعتمد حياتهم على فشل التنظيم أو تحقيقه لأهدافه. وفي المجموعة الأولى وقفة مهمّة لها علاقة بالثالثة وهي ما الذي يملكه هذا القائد من تصوّر يسمح له بالوصول بالمجموعة للغاية؟ والتصوّر هنا في حقيقته عبارة عن صورة للغاية واضحة مكتملة ولها معاني يمكن التعبير عنها ووصفها وبحثها مع المجموعة. وهنا يأتي دور المجموعة الثانية من الأسئلة والتي تتعلق بالناس التّابعين ومدى إدراكهم لأهمية الصورة وهي يملكون المؤهلات التي تسمح لهم بأن يكونوا تابعين؟

ولكل بند أهمية، ويهمني في مقالي هذا البند الأول المتعلق بالقائد، ويهمني في هذا البند التصوّر الذّهني الخاص بالقائد حول الحياة. فالصّورة التي يملكها القائد تنبع من خبراته ومعلوماته وتجاربه ومقدراته الخاصة به بغضّ النظر عن كونه قائدا أم لا. وهي أوّل ما يؤهله للقيادة وبدونها سيكون عديم الفائدة ومجرّد أداة لتنفيذ رغبات الغيرمن صانعي النّظام أو محرّكيه.  ومن هنا انطلق بعض الباحثين يفرّق بين القيادة التّحويليّة   Transactionalوالقيادة التّحوّليّة [2]Transformational  والأولى تعني التّحويل من مكان لمكان أو حالة لحالة مشابهه بدون تغيير في أسلوب القيادة وإنما فقط تغيير مسمّيات شكلي يحافظ على الوضع الحالي بما فيه من منافع لذوي المصالح في ذلك. بمعنى أن التغيير ليس تبديلا كاملا. وأمّا القيادة التحوّلية فتتطلّب إبداعا لحلول جديدة تقضي بإلغاء القديمة أو الإستغناء عنها مما قد يخلّ بمنافع ذوي المصالح وينقل المجموعة أو التنظيم نقلة نوعية كاملة. فالتّحويل هو مثل تحويل العملات يحافظ على القيمة القديمة وإنما المتغير فقط العملة الشكلية أو هو تبادل منافع بين شكل وآخر فينتقل المُنتفع به من حالة إلى أخرى بدون أن تتغير قيمته. وهناك أبعاد أخرى للتفريق نذكرها في موضعها. والذي يعنينا هنا أن الرؤية ليست تصوّرا نابعا من دراسة وضع حالي ووضع أفضل الحلول لنقلة نوعيّة في الوضع الحالي كما يظن الكثير من القادة، وإن كان هذا أحد أدوار القيادة الفعّلة وسنتطرّق له في موضعه. أمّا الرؤية التي نقصدها هنا والتي يغفل عنها الكثيرمن القادة، هي الرؤية العامّة المظليّة النبيلة والمتعلقة بحياة القائد عامّة

ولنقرّب ذلك للأذهان، لنفترض أن مدرسة ما تقوم بإختيار مدير لها، وفقا لمعاير معينة. تقدّم اثنان في عليّة الإختيار وعند المقابلات الشخصية ذكر الأول أن حرصه على أن يكون مديرا هو “رغبته الخاصّة في تحسين مستوى التعليم، بحيث يصبح كل طالب في مدرسته متميزا في شيء ما”. ثم دخل بعد ذلك للمقابلة المدير الثاني وذكر في طيّات الكلام “إستعداده التام لتولي المهام المناطة به وحرصه على زيادة عدد الطلبة بفتح فصول جديدة وإختيار المعلمين ذوي التأهيل المناسب لتكون سمعة المدرسة في مستوى المزودين المتميزين في قطاع التعليم الخاص”. يا ترى هل ترى الفرق؟ مع العلم أنّ كلا المتقدميْن تفوّق في مؤهّلاته على المجموعة الاولى والثانية في الإختيار. فأيهما صاحب الرؤية النبيلة؟ وأيهما صاحب القيادة التحوّيلة؟ وأيّهما ينبغي على قيادة المدرسة إختياره؟ سأترك الإجابة للقارئ تحدّيا مني لفهمه وعمق إدراكه

يرتبط هذا الموضوع، موضوع الرؤية بما بعده من المواصفات الشخصية التي تؤهل صاحبها لسلوكيات قيادية خارقة للعادة [3] تصنع تغييرات جذرية قوية. ونظّر الباحثين[4] أن من يتبنّى القيادة التحوّلية لابد وأن يكون معطاءا  altruistic وأن هذا الدافع هو الذي يحدد الغاية النبيلة التي يسعى من أجلها والتي يعتبرها بعض الباحثين مقدرة competency من مقدرات الذكاء الإجتماعي أو ذكاء المشاعرEmotional Intelligence والتي تحتّم على القائد التّفهمEmpathy  للآخرين في مقدرة أخرى من مقدرات الذكاء الإجتماعي[5]. بل إن كوزس وبونسر في نموذجهما المتكامل للسلوك القيادي عدّا تصوّر الفرص المستقبلية على أنه الثالث في السلوك القيادي والذي يؤدي إلى سلوك “إلهام الرؤية المشتركة “[6]. ويضع ستيفن كوفي الرؤية في أساسيات القيادة الذاتيّة قبل أن يتصدّر القائد القيادة للآخرين في مجال العلاقات المباشرة أو القيادة الإدارية أو الإستراتيجية، حيث يضع إمتلاك رؤية خاصة في العادة الثانية من العادات السبع للناس ذوي الفعّالية العالية في كتابه الشهير7

والرؤية القيادية للقائد هي تصوّر شامل متكامل عام عميق لحياة القائد الخاصّة والعامّة، تسمح له بتكوين تصوّرات جزئية ملهمة خارقة للمعتاد

التصوّر هو صورة مستقبلية لما لم يحدث بعد في ذهن القائد ترسمها مخيّلته وتعبّر عنها كلماته وسلوكيّاته –

شامل لكل جوانب حياته الفيزيائية المادية، الإجتماعية العاطفية، النفسية الفكرية، المعنوية الروحية –

متكامل في انسجامه بين الجوانب فلا تناقض ولا تعارض –

عام يمكن تطبيقه في كل زمان ومكان –

عميق في أبعاده بحيث يصف تفاصيل متعددة الأبعاد –

الحياة الخاصة تصف أفكار ومشاعر وسلكيات القائد في وحدته من جانب وفي علاقاته الخاصة في أسرته والمقربي   منه كزوجته وأبنائه ووالدي

الحياة العامة تصف أفكاره ومشاعره وسلوكياته في تفاعله مع العالم لحظة وجوده في حيّز المجموعة –

التصورات الجزئية هي تلك التي تعني بجواب محددة في الحياة العامة مثل رؤيته في عمله ورؤيته في مجتمعه…إلخ –

ملهمة تصنع عند الغير دافع للحركة وأمل في المستقبل –

خارقة للعادة من حيث نوعية التصورات الجزئية –

النقطتين التاسعة والعاشرة هي محور الرؤية المشتركة والتي هي جزء من السّلوك القيادي في الحياة العامة وسنتطرق لها في موضعها بالتفصيل، وذكرتها هنا لأبني بين الرؤية الخاصة والمشتركة جسر تواصل في ذهن القارئ. ولكي يحصل الإدراك بأهمية وجود رؤية خاصة قبل أن يتصدر القائد للرؤية المشتركة في قيادته كما ذكرنا في بداية المقال. تصدّر القائد للرؤية المشتركة بدون رؤية خاصة يؤدي إلى مضارّ منها

افتقار القائد للثقة في ذاته وفي مقدرات –

تسرّب الأفكار السلبية والمحبطات والمعيقات المعنوية والمادية للقادة  –

ردود الأفعال السريعة في السلوكيات اليومية –

تردد القائد في الرأي وتذبذبه في صناعة القرار الإستراتيجي –

تبعية القائد وخضوعه لضغط المجموعة في حالة الطوارئ والأزمات معرّضا لهم للهلاك –

إتباع القائد للشهوات والمغريات وبيعه للقيم المتفق عليها من أجل منفعة عارضة او شخصية –

محافظة القائد على الوضع المعتاد من أجل مصلحته لا مصلحة المجموعة –

رفض القائد لفرص التطوير ولتنمية القيادات الأخرى بسبب مشاعره السلبية تجاه نفسه وتجاه الآخرين ومنها خوف الفقد للمنصب أو المنافع

لجوء القائد إلى القوة والسلطة لتسيير المجموعة وتحقيق النظام بالعقوبات والحوافز مما ينشر الفساد التنظيمي  –

إنسحاب القائد وتقوقعه في معزل البرج العاجي بعيدا عن الآخرين مما يدمّر القيادة والمجموعة –

مما سبق يتبين لنا أهمية أن يعمل القائد أولاً على تطوير مقدرة رسم الرؤية الخاصة والتي يؤكد ستيفن كوفي في كتابه [8] على أنها لا تُخلق وإنما تُكتشف، وأن كل قائد يمتلك رؤية ولكن عليه أن يبحث عنها في أعماق نفسه ويحدد معالمها في رحلة يصحبه فيها موجّه قيادي متخصّص ومؤّهل وبإستخدام طرق وأدوات معتمدة في علم التّوجيه [9]، وخاصة إذا كان ينوي أن يتولى منصبا قياديا أو هو الآن في منصب قيادي ومسؤول من منظّمته ومجتمعه أن يضل بهم الطريق أو ينحى عن القيادة الأخلاقية لتقصير منه في تحديد معالم رؤيته الخاصة والتنظيمية.

وقبل أن اختم مقالي هذا حول الرؤية القيادية الخاصة ينبغي أن أسوق مثالا لها في حياة سيد البشر والأسوة الحسنة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث هداه الله لهذه الرؤية في حديث إلهي شخصي مباشر في قوله تعالى له: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”[10]، لتبقى هذه الرؤية محركا لكل قائد ودليل لكل باحث عن صفات وسلوك القيادة الحقّة

__________________________________

[1] تعريف بسيط للقيادة يتفق الكثير من المنظرين الباحثين عليه

[2]  Burns, J. M. (1979). Leadership. New York; London: Harper & Row.

[3] Conger, J. A. and Kanungo, R. N. (1998). Charismatic Leadership in Organisations. London: Sage.

[4] Bass, B. M. and Avolio, B. (1993). ‘Transformationa Leadership: A Response to Critiques’. In M. M. Chemers and R. Ayman (Eds), Leadership Theories and Research: Perspectives and Directions (pp. 49-80). New York: Academic Press.

[5] Freeman, J and Salovey, P (2015), At the heart of Leadership: how to get results with Emotional intelligence, 3rd Edition, published online: Amazon.

[6] Kouzes, J. M. and Posner, B. Z. (2007). The Leadership Challenge. (Fourth Ed.). San Francisco Jossy-Bass.

[7] Covey, S (1989), The Seven habits of highly effective people, Free Publish. Online: Amazon.

[8] Covey, S (1989), The Seven habits of highly effective people, Free Publish. Online: Amazon.

[9] International Coach Federation (ICF), https://coachfederation.org/

[10] Surat Alanbiyaa, 21, Verse 107.

Leave a Reply