تقييم البيئة في القيادة

تقييم البيئة في القيادة

تحدثنا في الحلقة السابقة حول “الرؤية في القيادة”. وشرحنا أهمية أن يكون القائد صاحب رؤية نبيلة نابعة من رغبته في التطوير التنظيمي. واليوم نتحدث عن أحد مقوّمات القيادة الفعالة وهي مقدرة الثائد على التقييم الشامل المتكامل.

 التقييم في أبسط أشكاله هو وضع قيمة للتنظيم وعملياته ومخرجاته الحالية باستخدام مؤشرات الاداء وعدد من القراءات للبيئة المحلية والعالمية والداخلية والخارجية التي تؤثر على العمليات والمخرجات. هذه القراءة في المستوى الإستراتيجي المشار إليه ليست مهمة تتم في يوم أو يومين أو أسبوع أو اثنين أو شهر أو سنة ويتوقف، بل هي عملية مستمرة تتطلب لجنة مخصصة أو قسم كامل معد لهذه القراءة يتناسب مع حجم التنظيم ووظائفة وخدماته التي يقدمها

وبما أننا نتحدث عن القيادة، فإن التقييم المشار إليه ليس مجهود فردي يقوم به القائد وحده وليس أيضا ما يمكن لفريق عمل أو قسم متكامل أن يقوم به دون أن يلجأ لخبرات خارجية وداخلية في التنظيم تتيح الشمولية والتكامل المطلوب

دعوني أولا أتطرق للتقيم من حيث هدفه. فإن كان الهدف تحسين أداء أو تطوير منتج أو إعادة هيكلة تنظيمية لخفض تكاليف وتقليص الإهدار في المصاريف وتطبيق مفهوم الرشاقة التنظيمية، فإن الموضوع يكون أبسط من حيث السبب المناط بالتقييم. وإن كان التقييم مرتبط بالأداء الوظيفي بهدف تحسين الخدمات أو تطوير الإجراءات والإتصالات فإنه ايضا عمل بسيط يمكن أن تتولاه إدارة الموارد البشرية. ولكن التقييم الذي نتحدث عنه هنا هو تقييم تنظيمي كامل يتطلب إعادة النظر في الرؤية والرسالة والقيم التنظيمية ومحاذاة ذلك بالأهداف والمشاريع والعمليات والأنظمة والأداء والميزانية وبالتالي المخرجات. هذه الشمولية هي مستوى استراتيجي يتطلب قيادة تتسم بالقدرة على إدارة التقييم ومراقبته على عدد من المستويات وفي أبعاد متعددة

من خلال خبراتي في القيادة فإن القادة الذين قاموا بمثل هذه التحوّلات الشاملة الإستراتيجية التي دفعت التنظيم في أعلى قائمة مقدمي الخدمة المتخصصة في مجاله وأدّت لأعلى المخرجات من حيث المنتج والعائد على الإستثمار، قاموا بذلك من خلال خبرات متخصصة خارجية تولت كل خبرة منها جانب من الجوانب المتعددة للتنظيم. لا يعني ذلك استقصاء الخبرات الداخلية وإنما وضعها لتكون جزء من المقدم للخدمة الخارجي بحيث تكون وصلة المعلومات والأبحاث والمناقشات والإتصالات المستمرة، وبحيث يكتسب المستشار الداخلي للتقييم خبرات متعددة من العملية الإستشارية ليقوم بالتنفيذ وإدارة التغيير بعد تسليم التقييم

ومن المهم النظر في خبرات المستشار التقييمي الخارجي ومقدرته على إدارة التقييم وتنظيمة بكفاءة وفعاليته بحيث يتواجد في فريق الإستشارات التقييمة خبرات متعددة ومتنوعة وذات تأهيل عالي يسمح لها بالإدلاء بمعلومات كيفية وكمية تسند وتدعم النتائج التي تحصل عليها. ومن أهم مؤهلات الفريق التقييم الخارجي خبرته المحلية بالبيئة والثقافة التنظيمية لكي يتم تفصيل النموذج الإستراتيجي بصدق وبمعلومات محلية وليس فقط نموذج مستورد من ثقافة غريبة

ومن المهم أيضا أن تكون الرؤية واضحة وشاملة ليتمكن المقيمون من تفصيل التقييم على قياس المنتج والمخرج بدون طرح جوانب لا علاقة لها بالواقع أو رؤية جديدة لا تمت للغاية التنظيمية بصلة. ولكي يحدث ذلك فإن القائد يترأس اللجان التقيمية بنفسه ويشرف على تفاصيل ومهمات المشروع التقييمي يوما يبوم ومرحلة بمرحلة حيث يصنع مع فريق المستشارين باقة الحلول المقترحة والخيارات المتاحة والتحولات المطلوبة مع فريق المستشاريين الداخليين الخاص بالتنظيم

يقوم فريق التقييم الاستشاري الخارجي بمهمات الإتصال ومنها إقامة ورش العمل لجمع المعلومات من القيادة والمستشاريين الداخلين فيما يتعلق بالبيئة الداخلية، ويقوم أيضا باجراء المقابلات الشخصية مع الموظفين في مستويات متعددة، ويقوم ايضا بحلقات النقاش في الأقسام المختلفة ، ويتاح له أيضا الحصول على نسخ من الوثائق المختلفة المتعلقة بالإجتماعات والقرارات والأنظمة ليتتبع سير العمل السابق وتاريخ التطوير التنظيمي. ينظم أيضا الفريق على ورش عمل جمع المعلومات الجماعية من المستفيدين من الخدمات والزبائن من خارج التنظيم من غير العاملين ومن المستثمرين وذوي المصالح أو مزودي الخدمات الخارجية. وأخيرا يقوم الفريق بعمل إستبيانات مختلفة توزع وتجمع وتدخل في قاعدة بيانات خاصة للحصول على إحصائيات متعددة

أما في البيئة الخارجية فيتم قياس الخدمة المزودة بالسوق المحلي والعالمي في مراحل تاريخية متعددة وفي مستويات متنوعة من المنظمات من خلال البيانات المتاحة للعامة ومن خلال البحوث التسويقية التي يمكن شرائها من مصادرها في مراكز البحث الخاصة و الحكومية. فالدراسة للبيئة الخارجية والداخلية هي في حد ذاتها دراسة جدوى جديدة متضمنة دراسة خيارات مطروحة متعددة. وتستخدم في القياسات عدد من النماذج مثل بطاقة الأداء المتوازن التنظيمي، أو نموذج باستال أو نموذج سوات كما في الصورة أعلاه

وأخيرا يقود القائد بحكمتة هذه العمليات التقيمية بشكل منتظم كل عام أو عامين ويقوم بعمليات تقيمية أقل شمولية بإنتظام من خلال الأقسام والتخصصات الموجودة في المنظمة أو من خلال لجنة تقييم مستمر لمراجعة المحاذاة بين الإستراتيجية التنظيمية الناتجة عن التقييم الشامل وبين الاداء التنظيمي في الأقسام المختلفة. هذه المراقبة والمتابعة المستمرة هي أحد أهم الادوار القيادية للقيادة الفعالة المتميزة

Leave a Reply