دورات تطوير الذّات حقيقة أم وهم؟

 

كعادتي عنما أكتب أكون قد قرأت موضوعا أو تعليقا أو فكرة أثارت المحلّل الذي بداخلي

….. هذه المرّة قرأت لصديقة عزيزة[1] عبارات “عندما تتأخر عن زمانك أعواما عديدة…

موضوع تطوير الذّات سالفة من لا سالفة له…..مازالت الدورات من هذا النّوع يتغنّى بهاالبعض حتّى اليوم

“والله بعضها حضرتها قبل عشرة سنوات

ثم بدأت أصابعي تتحرك رهن إشارة فكري في كتابة تعليق لم يسعه برنامج التّواصل الإجتماعي فقررت أن أنقله إلى مدوّنة لما يستحقّه من إهتمام فقد آن الأوان لعلم التّدريب في العالم العربي أن يستيقظ من غفلته ويضع نفسه في مكانه الصحيح بدون تلاعب المدّعين ممّن يقتات على عقول العامّة من النّاس بدون مرجعيّة أو تأصيل.

ولم أكن أؤمن أبدا بدورات التدريب التي هي أشبه بجرعة قهوة تنشيطية وقتيّة وكنت أحرص على أن تكون دوراتي التربوية ممتدّة المدى أقدّم فيها دعما مستمرا بعد أسابيع من حضورها لكل متدرّبيّ بشكل جماعي أحيانا وبشكل شخصي “توجيه”[2] أحيانا أخرى. ولذا عندما قرأت كلمات صديقتي العزيزة لم أتمالك إلا أن أتّفق معها تماما. فماهي الفائدة المرجوّة من حضور دورات تطوير الذّات وهل يوجد فعلا ما يسمّى بدورات تطوير الذّات؟

دعوني أبدأ بنبذة تاريخية بسيطة لوضع السّياق قبل أن أسوق تحليلي الشّخصي لدعم رأيي في الموضوع

كما تعلمون قرّائي الأعزاء، فإنّي أتحدّث إليكم كمتخصّصة في التدريب القيادي منذ عام 2000 ومدرّبة معتمدة أولا من مركز ستيفن كوفي بالولايات المعتمدة حيث كنت من أوائل المدرّبين في برامجهم المعروفة عالميا وعلى رأسها “العادات السّبع للناس ذوي الفعاليّة العالية”. وخلال تقديمي لبرامجهم من 2000-2002 ظهر مدرّبين للعادات السّبع لم يتلقّوا الإعتماد وغيّروا المادة تغييرا طفيفا وقدّموها باللغة العربية رغبة في منفعة الناس العامّة ولكن بدون استخدام طرق ووسائل التدريب الموصى بها وطبعا فقدت المادّة روحها وتجرّدت من نتائجها المرجوّة، وتعتبر هذه الحركة لا أخلاقيّة تماما وسرقة فكريّة يحاسب عليها من يدّعى منفعة الناس أمام الله رغم حسن نيّته. وهي أيضا نموذج سيء أمام منظمة عالميّة أقرّ صاحبها أن أحد مرجعياته هو رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في كتابة الشهير لمن أراد أن يطالع النسخة المترجمة. ثم كنت من في أوّل دفعة “برمجة لغويّة عصبية” مع الدكتور ابراهيم الفقي رحمه الله ولم أحصل على مدرّب لظروف خاصة وإنما استمريت مع أستاذي الفاضل المهندس سمير بنتن حتى درجة ماستر. ولم أقم بما قام به الكثير من تقديم البرمجة بدون الإعتماد أو تغليفها بغلافات مختلفة بنفس الطريقة. بل شعرت بالغثيان من سوق التّدريب الغير أخلاقي وشاركني في ذلك إخواني المدرّبين الكبار. توجّهت بعدها إلى التدريب التربوي باعتبار تخصّصي في التربية البيئية والتنموية في المدارس والمعاهد لأضع بصمتي البسيطة وأثناء ذلك عقدت عددا من الدورات المتخصّصة في مجال الإتصال والذكاء العاطفي فقد كنت من أوّل من قرأ كتاب “الذكاء العاطفي” لدانيال جولمان في عام 1998 والذي صدر عام 1995 بنظرية دور المشاعر في الإتصال والتي إجتاحت العالم ولا تزال[3] وكان هدف هذه الدورات الجماهيرية التعريف ببعض الأفكار في الإتصال لا أكثر وتعتبرمحاضرات تسويقية أيضا ويخرج منها الحضور بمعلومات لا أكثر ولا أقل. وأخيرا تخصصت في بحث الدكتوراه في القيادة الإستراتيجية ومقومات القائد الفعّال واكملت مشواري التدريبي بحذر شديد خوفا من الوقوع فيما وقع فيه غيري من الإفراط والإدعاء. قدمت أيضا دورة تدريب مدرّبين محاولة مني لتأصيل علم التّدريب وإكساب طالبية مفاهيم ساقررها فيما يلي.

دعوني أضع التدريب كعلم في سياقه الصحيح. التدريب هو جزء من وظائف قسم الموارد البشريّة في التنظيمات والمؤسسات العامة والحكومية في العالم. وسبب نشأته سدّ الثغرة بين مخرجات التّعليم وسوق العمل الّذي يتطلب مهارات معيّنة لا يمكن للطالب الجامعي الحصول عليها في فترة دراسته القصيرة. وبسبب غياب خبرة العمل والتي كان أجدادنا يمرّون بها بمجرّد حصولهم على أساسيات الحساب والقراءة نشأت الحاجة إلى تقريب الخبرات وتقنينها بشكل يمكّن الموظف في أدواره المختلفة من ممارسة هذه الأدوار بسهولة. ونشأ معها دور المعلّم ( المنتور) والذي يرشد الموظّف في مهنته في فترة التّأهيل ليكتسب ثقة في نفسه وفي مهاراته وخبرة ممن سبقه. ثم نشأ دور الموجّه (الكوتش) ليقوم بدعم تطوير الموظّف الشخصي في مهارات متعدّدة وأيضا تطلعات الوظيفة وأهدافها بالمحادثة المنتظمة في جلسات متفرّقة خاصّة.

ولكن في عالمنا العربي نحى التّدريب منحى مختلفا لم ينحاه في العالم الغربي، وبحسن نيّة كما ذكرت. وتصدّى المدرّبين لتدريب العامّة في مواضيع الحياة المختلفة. لعلّهم لمسوا احتياج العامّة للتثقيف والتعليم وكان من المفترض أن تتبنى المؤسسات التعليمية سدّ هذه الثغرة من خلال برامج تعليم الكباروالفصول المسائية وهذا بالضبط ما حصل في الغرب ولا يزال يحصل. فلا تسمع أبدا بدورة تدريبية في تطوير الذات ولا بدورة في فن التواصل مع بين الأزواج ولا بدورة في فن التفكير إلا من مصدرها المعتمد الموثوق وعلى يد متخصص بروفسور أو دارس متعمق ومؤلف لكتب في مادته. وتقوم المكتبات العامة وكليات المجتمع بتقنين هذه الدورات وتنظيمها وتسمى ببرنامج تعليمية وليس تدريب

التدريب أعزّائي هو سلسلة من التمارين العملية التي يمرّ بها المتدرب في سياق مخصّص بهدف إكساب مهارة محدّدة مسبقا. يتطلب التدريب تحليل كامل لاحتياجات المتدربين في مجال عملهم لتحديد نوعية المهارة المكتسبة ثم تحليل لكيفية أداء هذه المهارة في السياق المحدد ثم تصميم كامل لبرنامج عملي تطبيقي متضمن لمعلومات بسيطة وتجارب عملية ثم يتبعه تقييم أداء في مقرّ التطبيق للمهارة. إكساب متدرب مهارة ما قد يتطلب ساعات من التدريب. ولذا تصبح دورات تطوير الذات خدعة ملبّسة فلا يمكن أن يطوّر الإنسان ذاته في سويعات وأيّام. وكان بالأحرى تسميتها محاضرات تعليمية وتنويرية في الذات

الطريقة الوحيدة لتطوير الذات في مرحلة ما بعد الطّفولة تتلخص في وجود رغبة داخلية في التطوير بسبب تجربة مرّ بها الإنسان واكتشف أنه ينقصه خبرة ما أو مهارة ما أو بسبب حضوره لبرنامج أو محاضرة تعليمية أو قرائته لكتاب أو تفكيره في هدف، هذا أولا، وجود الرّغبة

ثانيا، اكتساب العلم بنوع المهارة التي تنقصه من خلال حضور برنامج تعليمي أو دراسة منتظمة أو استماع لمحاضرة أو مشاهدة  بث مرئي حول موضوع ما. وثالثا، البحث عن موجّه متخصص في المهارة أو مجموعة المهارات التي يرغب في اكتسابها ليقوم بدعمه في تحقيق هدف

أخيرا أكرّر، دروات التطوير الذاتي هي مجموعة من المحاضرات في علم ما لا أكثر فلا تستثمر مالك ووقتك فيها إلا بقدر ما تحتاج منها، ولا تضيّع أموالك في ما مخرجا عمليا منه سوى المعلومات. وأدعو مقدميها من المتخصّصين وممن لديهم العلم في مجال التطوير للذات أن يضبطوا أخلاقياتهم فلا يستغلوا الحضور بأوهام اكتساب المهارة والمخرجات وهم يعملون أن أقصى ما سيخرج به الحضور هو معلومات وليس تطبيق وأن التطبيق هو أصعب واعسر من أن يكتسبه الإنسان في عدد من الساعات أو الأيام، فالتطبيق كما ذكرنا تربية ذات طويلة المدى

أشكر لكم متابعتي وإلى لقاء آخر

[1] الدكتورة عهد الجرف، تعليق في الفيس بوك في 3 ديسمبر 2017

[2] Coaching

[3] Danial Goleman (1995), Emotional Intelligence: why it matters more than IQ?

Leave a Reply